حركة فرق السيدة والحركات الكنسية - شباط 2005
 

بعد انقضاء ست سنوات في خدمة فرق السيدة كأعضاء في االفرقة المسؤولة الدولية (ERI) وفي ختام مرحلة تحمّلْنا مسؤولياتنا رأينا من المفيد أن نستعرض هذه المرحلة بشكل راجع.

«لقد أوليتُ، منذ بداية خبرتي، أهمية خاصة لمسيرة الحركات الكنسية. وقد سنحت لي الفرصة لتقدير ثمار حضورها الكثيف والمتنامي من خلال زياراتي الرعوية الكثيرة وأسفاري الرسولية»(1).

إخوتي وأخواتي الأعزاء في فرق السيدة في هذا العالم الرائع الذي أبدعه الخالق بالمحبة، أردنا، في بداية تفكيرنا اليوم، التذكير بالدعوة الملّحة لقداسة البابا يوحنا بولس الثاني لارتباط أقوى بين مختلف حركات الكنيسة حتى نستطيع الانخراط بعمل أوسع لنشر الإنجيل في العالم.

عندما نرى تنوّع الحركات المتعددة، والتميّز النوعي لكل واحدة منها، وندرك أنها كلها هبة من الروح القدس، فإننا نتلمّس حضوره وعمله في كل مكان وبشتى الطرق التي يتجلى فيها.

إن الحركات هي ثروة للكنيسة كما أكد الأب «آرتورو كاتايغو» أستاذ الحق القانوني والكنسيّات:

«لقد عبّر قداسة البابا يوحنا بولس الثاني مرارًا عن ثقته بطاقة الحركات في إحياء عمل الكنيسة الرسولي وخصوصًا في الرعايا».

نجد أحيانًا أن بعض الرعايا في الواقع تُظهر أعراض تصلبٍ تحوّلها إلى مجرّد «محطات» خدمة رعوية. وهنا يبقى دور الحركات بشكل خاص مهمًا ومرتبطًا بالعناية الإلهية في تحدي المظاهر المناهضة للمسيحية وفي الرد على المسائل المتعلقة بالدين التي أصبحت أكثر إلحاحًا في الغرب»(2).

تبلغ أهمية الحركات في الكنيسة الحد الذي جعل البابا يوحنا بولس الثاني في إرشاده الرسولي «المؤمنون العلمانيون بالمسيح» ينطلق مباشرة من حق العلمانيين بالتضامن ليشاركوا بفعالية في حياة كنيستنا. تقول الوثيقة بعد التطرق لعدد من أسباب هذه «التضامنات»:

«إضافة لهذه الأسباب فإنّ السبب الأكثر عمقًا، الذي يُبرّر ويفرض إعادة تجمّع المؤمنين العلمانيين، ينبثق من حق لاهوتي: إنه سبب قانوني كنسي كما عرّفه المجمع الفاتيكاني الثاني بشكل واضح حيث يرى «علامة ارتباط ووحدة الكنيسة في المسيح، في العمل الرسولي المشترك. يُفترض أنها «علامة» تتجلى في علاقات ارتباط داخلي أكثر منه خارجي لمختلف أشكال المشاركات بالمفهوم الواسع للجماعة المسيحية»(3).

نُذّكركم أنَّ الحركات ليست أساسًا للعمل الرسولي بل هي وسائل مميّزة كي نتمكن من مساعدة الأشخاص في تلقّي تربية مسيحية أفضل وبالنتيجة يصبحون مستعدين ليكونوا من أفضل الشهود الأحياء للقصد الإنجيلي.

«يجدُ الارتباط الكنسي، الحاضر والفاعل في كل إنسان، تعبيره النوعي في العمل المشترك للمؤمنين العلمانيين أي إنه عمل تضامني لمشاركة مسؤولة في حياة الكنيسة ورسالتها»(4).

 

عندما تنخرط الحركات في حياة الكنيسة وتمارس المساعدة يمكن أن تقوم بعمل شهادة ناجع في المجتمع.

يفتقر العالم للأخوّة والتعاضد، لأنه بحاجة إلى معرفة اللّه الذي هو المحبة الأسمى ويمكننا بمعرفة هذه المحبة وعيشها أن نأمل بعالم سلام. إن الذي يسعى إلى أن يحيا محبة اللّه يسعى إلى العدالة والسلام والأخوة.

إن الموهبة الخاصة (كاريزما) التي تميز حركتنا هي الروحانية الزوجية التي تدفعنا إلى عيش شهادتنا كأزواج والالتزام في العمل الرعوي العائلي.

يجب أن تكون فرق السيدة حاضرة في كل مكان يمارس فيه العمل الرعوي العائلي. وعلى أعضاء الفرق التهيؤ للمشاركة بفعالية في خدمة كنيسة هي «إحدى أولويات عالم اليوم» حسب تعبير البابا يوحنا بولس الثاني.

إذًا فلنستمر دائمًا بهذا المشروع والارتباط أكثر فأكثر مع حركات أخرى في كنيستنا والعمل على بناء الملكوت في محيطنا، وفي مجتمعنا وفي العالم.

مع كل الحب. 

ماريا ريجينا وكارلوس إدواردو هايس

([1]) رسالة البابا يوحنا بولس الثاني للمشاركين في المؤتمر العالمي للحركات الكنسية، 27 أيار 1998.

([2]) زينيت – 22/12/2004.

([3]) يوحنا بولس الثاني، دعوة ورسالة العلمانيين في الكنيسة وفي العالم، رقم 29.

([4]) المرجع نفسه، رقم 29.

 
 يسوع ابن الله
 

منذ طفولتنا، علمنا أن يسوع هو ابن الله. وهناك مَن يجادلون حول الوضع الإلهي للمسيح. لكن هذا الأمر معطىً أوليّ ومركزيّ لإيماننا المسيحي، فمن الجدير باهتمامنا أن نُصِرَّ على التفكير فيه.

لا نريد أن نعطي برهانًا في إطار منطقٍ عقلي علمي، عندما نبقى في مجال الإيمان، بل نحاول، كما فعل تلاميذ المسيح أن نفهم كيف تذهب بنا الأمور إلى التأكيد الذي تقترحه علينا «الكنيسة» بأكملها، منذ جذور بدايتها، أي إلى أن يسوع هو ابن الله.

إنْ تصفَّحنا الإنجيل المقدس، نلاحظ أن يسوع، إنْ تصرّف «كخادم» كامل وفقير، فهو رغم ذلك يُعبّر عن آرائه بسلطة تتجاوز سلطة الأنبياء الأقدمين. وقد ترك كلامه انطباعًا قويًا على الجماهير الذين كانوا يصغون إليه، «مندهشين من تعليمه، لأنه كان يعلّمهم كمن له سلطان» (متى 7، 28 – 29). بل أكثر من ذلك، فكان يغفر خطايا المشلول، دون أي تردّد. ونعلم أن غفران الخطايا حق وسلطة لله وحده، وهي سلطة تفوق بقوّتها معجزة شفاء المشلول. وهؤلاء الذين شاهدوا هذه المعجزة قد أدركوا فعلَ يسوع تمامًا (متى 9، 1 – 8): فقد ادّعى يسوع القدرة على أن يكون «ربّ السبت» (لوقا 6، 5)، أي أن كلمته تُعادل أو تتجاوزُ «الشريعة» ذاتها. وأكد وضعه بكلمات تكاد تكون غامضةً وذلك عندما نسَبَ لنفسه الاسم الإلهيّ حينما قال: «قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن» (يوحنا 8، 58).

كان يسوع يستمد هذه السلطة الفريدة من نوعها، من علاقته البنوية الفريدة مع «اللّه تعالى»، فقد لبث يدعوه «أبي». وبقي يُدرك أنه «الابن» الوحيد «للّه»، وبهذا المعنى، استمد هذه السلطة من كونه هو ذاته «اللّه». وإن إنجيل القديس يوحنا يُبدي صلة يسوع الحميمة والمستمرة «بأبيه»، وسوف يدعوه «أبي وأباكم» في رسالته بعد قيامته إلى النسوة القديسات: «إني صاعد إلى أبي وأبيكم» (يوحنا 20، 17). وتوحي لنا هذه العبارة أن علاقة يسوع «بالآب» السماوي ليست من نفس النوع لعلاقة تلاميذه. وإن شخص «يسوع» ذاته بصفته «ابنًا» يوحي بالله الآب: فَمَن غيره كانت له الجرأة لكي يقول: «مَن رآني قد رأى الآب» (يوحنا 14، 9)؟

أَوحى يسوع «بالآب» بمعنى خارق لم تسمعه أذن البشر: «فاللّه» هو «الخالق»، وخاصةً، هو «الآب» أزليًا في علاقة يمنحها لابنه الوحيد يسوع منحًا كاملاً، ويسوع ليس «الابن» أزليًا إلاّ بعلاقته «بالآب». وبذلك يجعلنا نتأمل، دون انقطاع، في هذه الكلمات التي قالها يسوع: «لا أحد يعرف الابن إلا الآب، وكذلك لا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن يريد الابن أن يكشف له الآب» (متى 11، 27).

هذا هو الإنجيل بكامله، ألا وهو قصة التاريخ الكامل لوجود الابن المتجسد ما بين البشر، هذا الوجود الذي يشهد بألوهية المسيح. ومعنى ما يقوله المسيح ويفعله، ينبع مما يكون يسوع في ذاته. ولأنهُ «ابن الله» تمامًا، فهو يستطيع أن يُصيِّرنا أبناءً «للّه» بدورنا: «فقد أعطى جميعَ من استقبلوه السلطةَ على أن يُصبحوا أبناءَ اللّه» (يوحنا 1، 12).

لعلَّ هذا الاستذكار الموجز لإيماننا بوضع يسوع الإلهي لن يُنسيَنا أن المسيح نهضَ تمامًا بالوضع الإنساني. وفيما نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، يتوجب علينا القول أيضًا إن «ابن الله» الذي صار إنسانًا قد شعر وتحمّل حقًا، مع استثناء الخطيئة، جميعَ التصدّعات والآلام والموت، أي جميع الأمور التي تسم بطابعها وضعنا البشري. وقد ذهبَ في ذلك حتى شعوره «بالانفصال» عن الآب، كما شهد على هذا نزاعه قبل الموت في «جتسماني» والصرخة التي صرخها وهو على الصليب.

هناك أُناس كنسيون ولاهوتيون يُتيحون لنا القول إن «اللّه الثالوث» في يسوع المسيح، هو الذي يُظهرُ الرحمة. وهنا تمامًا هو عمل المحبة الأرقى كمالاً. وقد استطاعوا التحدث عن «ألم الله»، أي عن هذه الشفقة الواردة من المحبّة التي تُصلح التصدعات والتي تصالحنا لكي تُدخلنا في فرح المصالحة والاتحاد مع «اللّه»، وهو فرح التبادل الكامل الذي يسود ما بينَ «الآب والابن والروح القدس»، ألا وهو فرح مجيء «الملكوت» الذي شرّع لهُ الطريق مجيء المسيح وحلوله بيننا.

 الأب فرانسوا فلشمان