......لا بُدَّ
من الشجاعة لمواجهة
موضوعٍ خاصٍّ
وصعب مثل موضوع
النبوءة. ولكثرة
ما ردّدنا أنّ
الأب كافاريل
هو نبيّ هذا العصر
وأنّ حركة فرق
السيّدة هي حركة
نبويّة، ربّما
أصبحت كلمة نبوءة
مألوفة لدينا.
وقد يكون من الضروريّ
أيضًا أن نتعمّق
أكثر في معنى
النبوءة لكي
ندرك بصورة كاملة
قيمة هذه الكلمة،
ولكي نفهم أنّ
لكلّ عصر روحَه
النبويّة الخاصّة،
ذلك لأنّ كلّ
عصر هو عصرُ الروح
القدس. ولا شكّ
أنّ كون لبنان
هو بلد السلام
يشَجِّعنا على
التحدّث عن النبوءة
بلا خوف، لأنّ
السلام هو رغبة
الإنسان والنبوءة
هي رغبة الله!
..... كلمة "تنَبَّأَ"
تعني في الأصل:
أعلَنَ بصورة
مُسبقة. فالنبيّ
ليس شخصًا يستطيع
قراءة المستقبل،
فهو ليس ساحرًا
أو عرّافًا أو
عالِمًا بالغيب،
إنّه بالأحرى
شخصٌ يستطيع
أن يقرأ علاماتِ
المستقبل في
الحاضر، أي في
الحقائق والأحداث
التي تحيط به.
كذلك نحن مدعوُّون
جميعًا، وبأشكال
مختلفة، إلى
الالتزام بالتفكير
في الأشياء ومقارنتها
والتعمّق فيها.
النبيّ، من وجهة
نظر الكتاب المقدّس،
هو من يستطيع
أن "يستدعي"
المستقبل لأنّه
يستطيع أن يحقّقه
في الحاضر. إنّه
يلتقط بذور المستقبل
التي لا تزال
مخفيّة وراء
الحركات والكلمات
والأفعال التي
يقوم بها العديد
من الناس الذين
يعيشون على الأرض
في حالة من الاضطراب
والتشوّش أحيانًا،
فيحاول أن يأتي
بها إلى دائرة
النور ويجعلها
تفرخ في الحاضر.
هذه البذور ليست
إلاّ البذور
الموجودة في
التاريخ وفينا،
في تاريخنا كأشخاص
وكأزواج. فبذور
المستقبل هي،
بالفعل، ثمار
ذاكرة الماضي
نستحضرها لنبلورها
وننتج منها أشياء
جديدة.
.....إنّنا مدعوّون
جميعًا إلى النظر
ما وراء الأشخاص
والأحداث، إلى
تحرّي الأفق،
لكي نرى اللهَ
الآتي. نحن مدعوّون
في الروح إلى
أن نكون أنبياء.
لدى العالم اليوم،
وإن بطريقة لا
واعية، عطشٌ
كبير إلى الروح.
إنّ مأساة التاريخ
الحاضرة، وأزمات
الشعوب، وقلق
البعض، وشقاء
الكثيرين، كلّ
ذلك ليس إلاّ
صرخةً إلى الروحِ
القادرِ وحده
على أن يعطي الحياة
وأن يملأ الفراغ
المتزايد بين
أشلاء الإيديولوجيّات
الميّتة والآمال
الخائبة والمشاريع
الضائعة خصوصًا
عند الأجيال
الجديدة، الفراغ
الناتج عن الصمت
الذي حلّ محلّ
الحوار بين الأشخاص
والأزواج والعائلات
والشعوب والمؤسّسات
والكنائس. ومع
ذلك، وبصورة
مُفارِقة، نحن
نشعر من حولنا
بفراغٍ يدقُّ
من جديد، وبشكل
أقوى، بابَ قلبِ
كلّ إنسان، مؤمنٍ
أو غير مؤمن،
وكأنّه لهاثٌ
نحو شيء ما يمكن
أن يعطي معنىً
للحياة وللأعمال
اليوميّة، وأن
يعطي قيمةً لأفكارنا
وخياراتنا.
.....إنّ زماننا
بحاجة إلى أنبياء،
إلى أشخاص ينظرون
إلى المستقبل
بعيونٍ صافية
لكي يفهموا بالحدس
ويستقبلوا الآتي
الذي لم يحدث
بعد ولكنّه حاضر
منذ الآن، اللهَ
الأزليّ الذي
أصبح التاريخ
الحاضر. إنّ التوقّف
عند وضعنا الحالي
يعني الافتراض
بأنّنا نعرف
عن الله ما يكفي.
والتخلّي عن
البحث عمّا هو
جديد يعني أننا
نظنّ أنّنا اكتشفنا
روائع الله كلّها.
والعزوف عن محاولة
خلقِ مساحاتٍ
جديدة أمام سعينا
إلى الإيمان
والحياة يعني
أنّا نعتقد بأنّ
عمل الله فينا
ومعنا قد انتهى.
وبالعكس، إنّ
البذور التي
علينا أن نجعلها
تفرخ، والثمار
التي تنتظر القطاف،
والسنابل التي
ستلوّحها الشمس،
لا تزال بالتأكيد
كثيرةً، وكثيرةً
جدًّا.
.....لقد فكّرنا
كثيرًا في التحضير
لهذا اللقاء.
وها نحن نلاحظ
أن أفكارنا المختلطة
يجب أن تُترجم
إلى كلمات. ولكنّنا
نشعر أيضًا أنّ
ما يجب أن نتقاسمه
معكم ليس مجرَّد
كلمات إنّما
هو خبرة حياة.
فالصور والكلمات
التي جمعناها
لنتشارك معكم
فيها تشابكت
وتحوّلت إلى
ما يشبه قوس قزح،
والأفكار باتت
مثل نقط صغيرة
مضيئة تظهر وتختفي...
لكي تصبح بعد
ذلك أُطُرَ حياةٍ
يمكن أن تساعدنا
على الفهم. هكذا
كان الوضع حين
التقينا بكاهنِ
رعيّةٍ فساعدنا
هذا اللقاء على
أن نعطي شكلاً
لكلمة نبوءة
التي هي موضوع
لقائنا اليوم.
.....(( كلّما التقينا
هذا الكاهن يفاجئنا
بشكل إيجابي.
نلتقيه عادة
مرّةً في السنة،
ومع ذلك فإنَّ
كلماته تترك
فينا أثرًا كبيرًا
يدوم طويلاً.
أو لعلّه المكان
الذي نلتقي فيه،
في تلك البلدة
على الشاطئ،
حيث كنا نأتي
في حداثتنا لكي
نمضي عطلتنا.
إنّنا لا نزال
حتى اليوم نقصد
هذا المكان كلّ
عام لكي نقضي
فيه يومين أو
ثلاثة على الأقل.
أغلب الظنّ أن
هذا المكان هو
الذي يجعلنا
جاهزين لإصغاءً
مختلف، فكلّما
مرّ الزمن ازددنا
شعورًا أنّنا
أكثرُ ارتباطًا
به إذ نستعيد
فيه الأضواء
والألوان والأصوات
التي رافقت صيفيّات
شبابنا حتى قبيل
زواجنا بأيّام
قليلة. ومع مرور
الزمن ازدَدنا
وعيًا بأنّنا
نُحيي فيه جذور
مسيرتنا معًا،
ونسترجعها إلى
ذاكرتنا بصورة
لا تبقى معها
مجرّد ذكريات
من الماضي بل
ينبوع مشاعر
جديدة. وكلّما
مرّ الزمن، ازدادت
كلمات الأشخاص
الذين دخلوا
في حياتنا وحركاتهم
ووجوههم تشابكًا
واختلاطًا وكأنّها
أجزاءٌ من "بازل"
(Puzzle)، كلٌّ
منها أساسيٌّ
لإكمال الصورة.
لقد التقينا
صديقنا الكاهن
هذه السنة، في
يوم أحدٍ ربيعيٍّ
دافئ، وكان يحتفل
بالذبيحة الإلَهيّة
فوق مساحة مكسوّة
بالعشب تطل على
البحر. فألقى
علينا حديثًا
غريبًا، كلّمَنا
على النبوءة،
وسألنا عن نبوءة
إيماننا وأين
يجب أن نبحث عنها:
في بيت لحم أم
في أورشليم؟)).
.....إنّ كلمة نبوءة
هي سؤال مطروح
علينا. ذلك لأنّ
نهاية القناعات
الإيديولوجيّة
والمعارضات
السياسيّة الواضحة
والتنشئات الدينيّة
والحقائق البيضاء
أو السوداء،
قد ساهمت كلُّها
في جعلنا نضيِّع
الاتجاه الصحيح،
إلاّ أنّها جعلَتنا
أكثر وعيًا لضرورة
مواصلة البحث
عمّا هو عدلٌ
وحقّ، في مساحاتٍ
غيرِ مُكتَشَفةٍ
تفتح أمامَنا
أبعادًا جديدة
للحياة وللإيمان.
.....وهكذا اتّخذَتْ
كلمةُ نبوءة
معنىً جديدًا
بالنسبة إلينا،
وإذا كانت من
قبلُ تذكيِرًا
بصُوَرِ أنبياء
العهد القديم
وحسب، فنحن نعلم
اليومَ أنّها
ليست مجرَّدَ
كلمة توحي بالماضي،
بل إنّ هناك نبوءةَ
حياةٍ مستمرّةً
وأشخاصًا من
عصرنا يمكن أن
يكون لهم وجهُ
الأنبياء في
زمننا الحاضر.
ولكن، علينا
الحذر من الوقوع
في الخطأ المعاكس
بأن نبحث عن النبوءة
في كلّ ما هو جديد
فقط، إذ يجب علينا
العمل على وَصْلِ
الحاضر بالماضي
بحثًا عن النبتات
الصغيرة الحاملة
النبوءة.
.....إنّ إشعيا وحزقيال
وإرميا أعلنوا
لنا مسبقًا كلمة
الله، وعرفوا
أن يسمعوا صوتَه
قبلنا، وأن يتحدّثوا
عنه بكلمات لم
نكن نعرفها بعد.
وهوشع علَّمَنا
أنّ الحبّ بين
الرجل والمرأة
يمكن أن يصل إلى
أبعد من مدى الزمان
والمكان، وأن
يحيا إلى ما بعد
الموت. ولكن،
إذا كان الخلق
صيرورة متواصلة،
وإذا كان ملكوتُ
الله يُبنى باستمرار،
فاليوم أيضًا
يخاطب اللهُ
الناسَ من خلال
أنبياءِ زماننا،
واليوم أيضًا
يمكننا أن نتعلّم
منهم الإصغاء
إلى صوت الله
عَبرَ أحداث
التاريخ وأحداث
تاريخنا الشخصي.
يمكننا أن نتعلّم
من الحياة، ولكن
أيضًا من موت
المونسنيور
روميرو، أنّ
لا أحدَ يستطيع
أن يُحِبَّ أكثر
من الذي يضحّي
بحياته عن أحبّائه،
وأنّه لكي نشهد
للمسيح، يمكننا
أن نُحِبَّ الحرّيّة
وأن نُحِبَّ
الحياة من خلال
تخلّينا عن حياتنا
الخاصّة.
.....ومن تَحَدّي
بونهوفِّرBonhoeffer
يمكننا أن نتعلّم
كيف نقوم بقراءة
الكتاب المقدّس
قراءةً غيرَ
دينيّة، وأنّه
من الممكن أن
نجد الله لا في
البعيد بل بالقرب
منّا، إذا بحثنا
عنه، وإذا كنّا
لا نجعله في أعالي
السماء كإلَهٍ
كلّيِّ القدرة
وغريبٍ عنّا،
بل كأبٍ وأخٍ
موجودٍ بيننا،
وإذا كنّا لا
نُجَمِّد كلمته
في الزمان وبالتالي
نُميتُها، بل
بالأحرى بأن
نُحييَها بالشهادة
لها أنّها لا
تزال آنِيَّةً
في يومنا الحاضر.
يمكننا أن نتعلّم
أيضًا من بِنتورPintor ، ذلك
المفكّر الإيطالي
غير المؤمن الذي
أكَّد في نهاية
حياته، فيما
كان يحاول أن
يقيم جردة عمره
وأن يفتِّش عن
معنىً أعمقَ
للأشياء، "أنّ
لا شيء في الحياة
أهمّ من أن ينحني
الإنسان لكي
يتمكّن شخص آخر
من الإحاطة بعنقه
لكي ينهض". أنبياء
اليوم! لأنّ النبيّ
ليس مَن يَفصُل
السماء عن الأرض،
بل مَن يلتقط
في أشياء التاريخ
اليوميّ خيوطًا
من عشبٍ لكي يبني
بها يومًا بعد
يوم ملكوت الله.
.....(( لو نتعلّم نحن
أيضًا أن نقرأ
العلامات الصغيرة
التي ترافق طريقنا
وأن نستشفّ في
الوجوه التي
نلتقيها والكلمات
والحركات النبتة
التي يمكنها
منذ الآن أن تُفرخَ
غَدَ حياتنا
وإيماننا. وستغتني
طريقُنا بنبوآت
صغيرة ومتواصلة
وستُشرق أيّامنا
بالعديد من الأنبياء
الذين يعلِّموننا
النظر إلى الأشياء
بعينَي الله.
إنّ لقاء الأزواج
الأربعة وكاهن
كنيسة القديس
أوغسطينس، عام
1939، الذين شعروا
بضرورة عقد لقاءات
بين الأزواج
للبحث معًا في
قيمة سرّ الزواج،
في وقت كان مجرّد
الحوار العميق
بين رجلٍ وامرأة
يشكّل حدثًا
جديدًا، لقد
كان ذلك اللقاء
نبتة مباركة
أطلقت مسيرةَ
بحثٍ لم يكن يحلم
بها أحدٌ حول
لاهوت الزواج.
كم من الأزواج
الذين نعرفهم
كرّسوا سنواتٍ
من عمرهم لكي
يُعلنوا ما في
الطريقة التي
اعتمدتها فِرقُ
السيّدة من قيمة
وغنى حيثُ كانت
الثقافة والعادات
الاجتماعية
المتجذِّرة
تجد صعوبة كبيرة
في إقامة حوارٍ
متكافئ بين الرجل
والمرأة، وحيث
كانت التقاليد
الدينيّة تعتبر
الإيمان القائم
على البحث معًا
ضمن جماعة في
كلمة الله أمرًا
بالغ الصعوبة.
كم من أزواج ملتزمين
في الخدمة التقيناهم
في حياتنا ؟ وكم
من أشخاص هم،
مثل يوحنا المعمدان،
صوتُ صارخ في
البريّة؟ وكم
بينهم من أنبياء
صغار أو كبار
لهذا العصر؟
.....كان العمّ ألبرتو
رجلاً لم يحدّثنا
يومًا عن الله،
إلاّ أنّه كان
يغمرنا بإيمانه
الكبير القويّ
الصامت. لقد عرفناه
في أواخر حياته
بعد أن استنفدته
المصائب والأوجاع:
فبعد موت زوجته
المبَكِّر نتيجة
حادثِ سيرٍ مُرَوِّع،
أخذَتْ منه الحياةُ
بلمحةِ بصَرٍ
كلّ ما بقي له:
ابنتَه وصهرَه
واثنين من أحفاده
الثلاثة. عندما
عرفناه، كان
يقيم في بيته
الكبير المضياف
مع حفيده فرنشسكو
البالغ من العمر
إحدى عشرة سنة،
ومع روزاريا
المربّية المسنّة
في العائلة.
.....كان فرنشسكو
معنى حياته كلّها
وسببَ استمراره
في التطلّع إلى
الأمام... شيخٌ
ووَلَد، الواحد
منهما سندٌ للآخر.
لم تَدُم حياتُهما
معًا أكثر من
سنتين لأنّ فرنشسكو
نفسه فارقه هو
الآخر بطريقة
لم يستطع الأطبّاءُ
شرحَها ولا الناسُ
فهمَها إذ أصابته
حمّى عاديّة
بسيطة (غريب) فلم
تجد في قلبه وفي
جسمه أيّة مقاومة.
وهكذا أصبح العمّ
ألبرتو وحيدًا
تمامًا في ذلك
البيت الذي عرف
الكثير من الحياة
والصفاء، سنديانةً
عتيقة واقفة
في حراسة الذكريات
أو الحياة. لم
يكن ألبرتو عمَّنا
حقًّا، بل كنّا
ندعوه كذلك لِما
كان يُبديه لنا
من علاماتِ العطف
والمودّة عندما
كنّا ننجح في
أن نخصّص له بضع
ساعات من الرفقة.
لم نسمع منه مرّة
كلمة "لماذا"
يصرخها بانتظار
جواب ما. لم يُظهِر
يومًا حركةً
عدائيّة باتّجاه
السماء. لم نلمَح
ِللَحظة لمعةَ
يأسٍ في عينيه.
كان يستقبلنا
ويصغي إلينا
وهو يدخِّن غليونه
جالسًا في مقعده
... وبقربه على
الطاولة كتابٌ
مقَدَّس، كان
يضع عليه يده
من حين إلى حين
وكأنّما لكي
يستمدّ منه بعضَ
القوّة. في سفر
أيّوب، يسأل
الكاتب: ما هو
المكان لفَهم
ما يجري؟ ربّما
كان على كلِّ
واحدٍ أن يبحث
وأن يجد المكان
الذي يستطيع
فيه أن يفهم. العمّ
ألبرتو دلّنا
على "مكانه"
بدون أن ينطق
بكلمة واحدة:
وبحركة صغيرة،
مثل نبيٍّ، علّمَنا
أن نضع يدنا على
الكتاب المقدَّس
لنجد البذرة
أو النبتة التي
تنمي إيماننا.
والإيمان، غالِبًا،
لا يقوم على الفهم
بل على الاتّكال
على الله.
إنّ صورةَ ذلك
الشاب الذي وقف
وحده في ساحة
تيينانْمِن
في بيكين، متسلِّحًا
بقوّة شبابه
ومُثُلِه العليا،
في وجه الدبّابات
والمصفّحات
التي تقدّمَت
لتخنق كلّ عطشٍ
للحرّيّة، هي
صورةٌ موجودة
بين صفحات كتابنا
المقدّس. كُتِب
على تلك الصورة
التعليقُ التالي:
" لا تنسوا تيينانْمِن!"
لقد كان ذلك الشابّ
ولا شكّ نبيًّا
عصريًّا من أنبياء
الحريّة التي
هي من حقِّ جميع
البشر، والتي
من أجلها مات
المسيح لكي يحرِّرَنا
من كلِّ عبوديّة.
لم ننسَ ذلك الشاب،
ونعرف أنّه قُتِلَ
رميًا بالرصاص.
وفي كل مرّة نفتح
فيها الكتاب
المقدَّس نسمعُه
يكلِّمنا ويقول
لنا: إنّ الإنسان
يريد أكثرَ من
الخبز، وإنّ
كلمة الله هي
الجواب على عطش
الإنسان للحرّيّة،
ولكنّها تنتظر
أن يصبح كلُّ
واحد مِنّا حركةَ
تقاسُمٍ ومشاركة
لكلّ من لم يمتلك
بعد هذه النعمة.
))
.....لعلّ هذا ما
أراد قولَهُ
ذلك الكاهنُ
عندما سألَنا
عن المكان الذي
يجب البحث فيه
عن النبوءة،
هل هو بيت لحم
أم أورشليم؟
بيت لحم هي الولادة
وأورشليم هي
الموت إنّما
القيامة أيضًا.
بيت لحم هي البداية
وأورشليم النهاية
وبعدها القيامة.
بيت لحم هي الفجر
وأورشليم الليل،
وبعده القيامة.
بيت لحم هي الأمل
المتحوِّلُ
إلى انتظار،
وأورشليم الأمل
المتحوِّل إلى
شكّ... ولكن، بعده
القيامة التي
تعطي إيمانَنا
اليقين.
.....أين يمكن أن
نقرأ علامات
الإيمان النبَويّة؟
وأين نبحث عن
علامات حياتنا
النبويّة؟ بيت
لحم، نجمٌ يضيء
أكثر من شمس النهار،
أمل يزهر، ربيع
الحياة، وزمن
كلّ شيء جديد...
وأورشليم، ليل
تظلم فيه شمس
النهار، مَثَلٌ
أعلى يَسقط،
زمنُ الضياع،
وخريفُ الحياة...
إنّما أيضًا
القيامة والنهوض
والولادة الجديدة.
مَن مِنّا خلال
حياته الزوجية
الطويلة أو القصيرة
لم يختبر الواحدة
والأخرى ؟ مَن
مِنّا لم يعِش
زواجه تارة في
بيت لحم وطورًا
في أورشليم؟
بيت لحم اللقاء،
اكتشاف الآخر،
الرغبة في الآخر،
دهشة المشاعر
الجديدة، الفرح
الذي لا يقاوَم،
العالم الذي
ليس موجودًا
إلا لأنّ الآخر
بجانبي. وأورشليم،
الانفصال، عدم
التفهّم، الصمت
القاتل، الضياع،
النظرة التي
تصبح نظرة غريبة،
الكلمة التي
تصبح هجوميّة،
الحركة التي
تصبح عدوانيّة،
العالم الذي
لم يعد موجودًا
لأنّ الآخر لم
يعد معي.
(( كان ذلك في مساء
زواجنا... كانت
الحفلة على أشدّها،
والضيوف كلّهم
هناك... فتلاقت
نظراتنا، واتّخذنا
القرار... وشيئًا
فشيئًا، وبطريقة
هادئة، حاولنا
الانسحاب والذهاب...
كان هناك جمعٌ
كبير من الناس،
استوقَفَنا
بعضُهم للتهنئة،
وبعضهم ابتسموا
لنا ابتسامةَ
حنانٍ وموّدّة...
فبادلناهم الابتسام،
وابتعدنا ... وما
إن خرجنا، حتى
استقبلتنا نسماتٌ
مسائيّة لطيفة
منعشة، بعد أيّام
مشمسة حارّة.
للذهاب إلى المنزل،
كانت هناك السيارة
الكبيرة الفخمة
التي أتيتِ بها،
وعلى مسافة قريبة
منها، كانت هناك
أيضًا سيّارتُنا
الميني الصغيرة
التي جئتُ بها
أنا. ما رأيُكِ؟
أيكون أمرًا
غريبًا أن نستقلّ،
ونحن في هذه الثياب
الرسميّة الأنيقة،
سيارة الميني؟
سيكون من الصعب
جدًّا أن نمرّ
بهذه الثياب
وفي تلك السيارة
دون لفت الأنظار...
لكنّ رغبتنا
في أن نكون وحدَنا
وأن نأخذ بيدينا
حياتَنا الجديدة،
كانت الأقوى،
فذهبنا بلا تردّد،
بدون أن نسلِّم
عل أحد، أو أن
نلتفت إلى أحد.
كم كانت روما
جميلة في تلك
الليلة المنعِشة
بعد ذلك الصيف
الحار ! كم كانت
الشوارع والأبنية
والساحات نظيفة
لامعة!... وحتّى
الأنوار بدت
لنا أكثر رونقًا
والألوان أكثر
زهوًا. أو لعلّ
حيويّةَ سنواتنا
العشرين وحُبِّنا
الكبير هما اللذان
جعلانا نتنشّق
نسيم المساء
بملء رئتينا
ونتنشّق معه
حياتنا الجديدة،
هذه المغامرة
السريّة التي
انطلقنا فيها،
هذه الهبة العظيمة
الرائعة التي
حصلنا عليها.
بيت لحم! بيت لحم!
نبوءة السعادة
والجمال الآتيين!...
..... ولم يمض وقت
طويل حتى أطلّ
الخلاف، انفجر
كالشرارة، وتحوّل
إلى كلمات جارحة،
وأصوات حادة،
ونظرات لم تَعُد
تسعى إلى التلاقي،
بل بالعكس، أصبحنا،
وفي لحظة، وكأنّنا
غريبان... كانت
الأسباب تافهة،
إنّما كان خلفَها
تعبُ الأيام
الأخيرة والتوتّر
الذي رافقها
وتعذُّرُ إيجاد
وقتٍ خاصٍّ بنا.
وبغياب التواصل
المؤجّل ازدادت
الحفرة الفاصلة
بيننا: شعور بالخيبة
من جرّاء هذه
الحركة، إحساس
بالإهانة نتيجة
تلك الكلمات
التي قيلت أو
التي لم تُقَل،
نقصٌ في التقاسم
والمشاركة حول
مشكلة صغيرة
ظننتُ شخصيًّا
أنّ حلّها في
منتهى السهولة.
أو لعلّي كنتُ
لكِ مصدرَ خيبة
لأنّني لم أحسنِ
الإصغاءَ إلى
وجهة نظركِ أو
قراءةَ مشاعركِ
أو التجاوبَ
مع عواطفك، إذ
كنتُ شديد الثقة
بحقائقي، منغلِقًا
على حوارٍ أكثر
إيجابيّة. كنتُ
أنظر إليكِ فأراكِ
قد تغيَّرْتِ
صوتًا وحركاتٍ
ونظرات، حتى
أنّني لم أعد
أعرفُكِ. ولكنّي،
أنا أيضًا، كنت
قد أصبحت بصوتي
وحركاتي ونظراتي
بعيدًا جدًّا
وغريبًا وغير
معروف بالنسبة
إليكِ. عندما
يحلّ الصمتُ
المريع يرتفع
الجدارُ الفاصل
بين القلوب،
فنشعر بالصقيع
والظلمة والضياع...
ما طول هذا النفق
المظلم؟ ساعة؟
يوم؟ ... إلى أن
تهدأ العاصفة،
أحيانًا شيئًا
فشيئًا، وأحيانًا
بشكل مفاجئ. وها
هي الأشياء عينها،
التي اختلفنا
بسببها والتي
فرّقَت بيننا،
تعود لتَظهَر
لنا تحت أضواء
جديدة، فتعود
الرغبة في أن
نتلاقى وأن نستعيد
دربنا معًا،
وينسى كلٌّ منا
الـ"أنا" ليحلّ
محلّها الـ"أنت".
فنتسامح ونعود
من جديد إلى القبول
المتبادل.))
.....أورشليم ليست
النهاية فقط،
ليست الموت فحسب،
إنّها أيضًا،
وعلى الأخص،
القيامة. فأورشليم
هي النبوءة بالحياة
التي تتجدّد
بقوّة أكبر إذا
ما عرفنا أن نُدخِل
في حياتنا طاقة
جديدة، طاقة
الحبّ المستعد
لأن يُفسِح في
المكان إلى الآخر،
الحبّ الذي يصبح
أكبر لأنّنا
استطعنا أن نصبح
أصغر، الحب الذي
يؤسِّسُ وجودَه
على الهبة المجانيّة
على مثال حبّ
الله المجّاني
منذ الأزل.
..... أين
هي النبوءة في
قصّةِ حبِّ الزوجين؟
أفي بيت لحم أم
في أورشليم؟
وإذا كانت الحياة
الزوجيّة، من
خلال ممارستنا
المجّانيّة
المتبادَلة
التي نسعى إلى
ترسيخها يومًا
بعد يوم، تُعَلِّمُنا
كيف نجد العلامات
النبويّة في
علاقة الأنا-أنت،
التي هي أساسُ
كلِّ علاقة شخصيّة
بشريّة وصورةُ
العلاقة القائمة
في قلب الثالوث،
فسيكون هناك
مكانٌ داخل الحقيقة
العائليّة يصبح
مكانًا نبويًّا
نتعلّم فيه أن
نعيش في الحاضر
كلّ ما في مجّانيّة
الحياة من قيمة
مطلقة : هذه المساحة
وهذا المكان
النبويّ هو حيث
يسكن أولادنا.
.....(( أخيرًا وصَلَتْنا،
وبصورة مفاجئة،
المكالمةُ الهاتفيّة
التي طالما انتظرناها
بقلق: غدًا سنتمكّن
من لقاء أولادنا!
وإذا بساعاتِ
الألم والريبة
والقلق والغضب
والشك قد تبدّدت
كلُّها لتحلَّ
محلَّها مجموعةٌ
من المشاعر والعواطف
الجديدة التي
لم تسبق لنا معرفتُها
يومًا: لقد صارت
الرغبةُ حقيقةً
والأملُ يقينًا
وصار للحبّ وجهٌ
... وجهُ أولادنا.
وبدأتْ مغامرةُ
الحياة من جديد.
إنّ ولادة طفلٍ
مُنتَظَر (أو
تّبَنّيه) هي،
في الحالتين،
حدثٌ يحتوي كلَّ
ما في الحياة
من قوّة تَظهَرُ
بطريقة جديدة،
لأنّ الخلق هو
في جدَّةِ الحضور
وهو أيضًا في
جدّة ما يُحدِثُه
فينا. الطفل هو
نبوءة بيت لحم
لأنّه بدايةُ
وُعودِ الحياة
كلّها. ولكن،
أين هو هذا الوعد
حين لا نعود نجد
فيه آمالنا،
أو حين يصبح لكلماته
وحركاته وخياراته
وقعُ النفي لانتظاراتنا؟
ها هي "غبريال"
تنظر إلينا نظرةً
لا تخلو من العدائيّة
والثورة، وكأنّها
تحبس ألمَها
وغيظها اللذين
لا تستطيع التعبير
عنهما... "مَن أنتَ
حتّى أعترف بك
أبًا؟" ... أين
هو ذلك الطفل
الذي كان يسرع
كلّ ليلة ليندَسَّ
بثقةٍ في سريرنا
الكبير؟ أين
هو ذلك الصبيّ
الذي كان يؤكّد
بكلّ جدّيّة
أنّه سيصير،
عندما سيكبر،
"خطيب الماما"؟
أين هو نورُ بيت
لحم الذي رافق
مجيئه؟
"جوليانو" أخذ
قراره: سيذهب
إلى الهند، وهو
لا يهتمّ كثيرًا
لكوننا غير موافقين.
حتى انّ جميع
محاولاتنا الناتجة
عن الخوف والقلق
لحمله على العزوف
عن هذه السفرة
المحفوفة بالخطر
لم تَلقَ لديه
أذنًا صاغية.
لقد ذهب إلى مكانٍ
لا نعرفه دون
خطّةِ سيرٍ واضحة...
هناك فقط السفرُ
إلى بلاد نائية
ومختلفة كلِّيًّا،
وهناك إرادتُه
بالابتعاد عنّا...
أين هو ذاك الولد
الذي كان يتبعنا
بهدوء ويده بيدنا،
فيجد الطمأنينة
والأمان وتتبدّد
مخاوفه الليليّة
بمجرّد حضورنا
إلى جانبه ومجرّد
سماعه صوتنا؟
أين هو ذلك الصبيّ
الذي كان يؤكّد
بنوعٍ من النضج
المبكِّر: "إنّي
مدينٌ لوالدَيَّ
بشيئَين هامَّين
وجوهريَّين:
أنّهما عَلَّماني
أن أعيش الشكّ
لا بصفته حَدًّا
فحسب، بل كقيمةٍ
أيضًا لأنّه
يدفع إلى الانفتاح
الدائم على رؤىً
جديدة؛ وأنّهما
علَّماني أنّ
الضيافة الحقيقيّة
هي أن تجعل لديك
مكانًا دائمًا
للآخرين لا في
بيتكَ فحسب بل
في قلبِك أيضًا".
ترى أين أصبح
نور بيت لحم الذي
أضاء طريقه؟))
.....بيت لحم أو
أورشليم: أين
هي المساحة النبويّة
في العلاقة مع
الأولاد؟
يُطِلّون على
حياتنا حاملين
جِدّةً تفرض
علينا التغيير،
فيجعلون منّا
أشخاصًا جديدين،
أو يضعوننا أمام
الأمر الواقع
لنوافق على تركهم
يغادرون حين
يتّخذ الانفصال
الحقيقيّ أو
المزعوم معنى
الولادة الجديدة
بالنسبة إليهم
أو حين تتحوّل
روح الاستقلاليّة
التي طالما سعينا
إلى تعليمهم
إيّاها لتصبح
كلماتٍ أو حركات
أو خيارات قلّما
نشاركهم فيها؟
بيت لحم أو أورشليم؟
الحياة التي
تبدأ معنا أو
الحياة التي
تبدأ حتى بدوننا؟
بالنسبة إلينا
هناك دعوة واحدة:
أن نُجيب على
النبوءة الكبرى،
نبوءة الحبّ
المجّانيّ الذي
يرافق كلّ حقيقة
من حقائق الحياة
الجديدة الناشئة.
..... أن نتساءل عن
ماهيّة النبوءة
اليومَ يعني
أن نطرح على أنفسنا
السؤال-المفتاح
التالي: هل نحيا
الإيمان بطريقة
نبويّة؟ كمؤمنين
أم كمتدَيِّنين؟
التدَيُّن يتطلّب
قبل كلّ شيء الطاعة
للقواعد والطقوس
والقوانين والسلطات.
الإيمان يتطلّب
البحث المتواصل
الواعي عن الله
للوصول إلى الاختيار
المسؤول والالتزام
الشخصيّ بأن
نجعل من حياتنا
إعلانًا وشهادة
حيّة لكلمته.
.....هل كان يسوع
متديّنًا أم
مؤمنًا؟ لا شكَّ
بأنّه لم يُعرب
يومًا عن انضمامه
إلى إحدى المجموعات
الدينيّة التي
كانت قائمة في
زمانه: لا إلى
الكتبة ولا إلى
الفرّيسيّين
ولا إلى الغيورين.
وعندما كان يحضر
أحد اجتماعاتهم
"الدينيّة"،
كانت تشكّل كلماته
حجر عثرة في نظر
أصحاب السلطة
والقوّة الذين
كانوا يسمعونه.
كان يسوع النبيَّ
الأمثل. كان ينتقل
دومًا من موقفٍ
إلى موقف وكان
يفاجئ الجميع.
يمكن الاقتراب
منه إلاّ أنّه
يتعذّر فهمُه
فَهمًا كليًّا.
فالله هو دائمًا
أكثر وأبعد من
معرفتنا. الإيمان
هو طريق لا نهاية
له نُصغي فيه
إلى الله الذي
يكشف عن ذاته
باستمرار وبشكل
مفاجئ. فيجب علينا
أن ندعه يطرح
علينا السؤال،
وعلينا أن نتمرّن
على اكتشاف العظائم
وعلى الدهشة.
.....نحن الذين
نُعلن إيمانَنا
ونفتخر به ونلتزم،
باسم هذا الإيمان،
في طريق التعمّق
الروحيّ في حركة
فِرق السيّدة،
هل نعيش التزامنا
كمؤمنين؟ وهل
نحن نبويّون
في خدمتنا ؟
إنّ اختيار الإيمان
يدعونا، اليومَ،
إلى وعيٍ مختلفٍ
عن وعينا الماضي.
فالبحث عن الله،
اليوم، يعني
البحث في وجه
الآخر، و"كلمة
الله هي وجه الآخر"،
على حدِّ قول
ليفيناس Lévinas. على
هذا الوجه يَطرح
الربّ علينا
أسئلة وشكوكًا
وأفكارًا... وينتظر
أجوبتنا عنها.
إنّ كلمة الله
هي حرفٌ ميت إذا
كانت مجرّد علامة
مطبوعة على الورق،
حتى في كتابٍ
كالكتاب المقدّس.
فالربّ يأتي
إلينا كلّ يوم
في ابتسامةِ
طفلٍ نائمٍ على
ذراعي أمّه،
وفي الدموع اليائسة
لطفلٍ آخرَ جائعٍ
لا تستطيع ذراعا
أمِّه أن تقدّم
له العزاء والأمان.
الربّ يأتي إلينا
في حنانِ شابٍّ
وفتاة يضعان
يدًا بِيَدٍ
ويفتّشان معًا
عن طريق مستقبلهما،
كما في الشاب
الذي يموت وحيدًا
مُهَمَّشًا
من جرعةِ مخدِّراتٍ
زائدة. ويأتي
إلينا الربُّ
في النظرة المتواطئة
بين رجل وامرأة
متحابَّين سعيدَين
كما في النظرة
المظلمة عند
مَن يرى نهايةَ
مشروعِ حبِّه.
إنّه يأتي إلينا
في الشيخ الذي
صار حكمةً واستعدادًا
في خدمة الذين
يعيشون حوله
كما في المُهَمَّش
السِكّير الذي
يترنّح في المساء
جارًّا وحدتَه
على أرصفة الشوارع
الضيّقة. إنّ
الآخر هو وجهُ
الله. ووجهُ الآخر
هو المكان النبويّ
المفتوح على
جميع الاحتمالات،
حيث أستطيعُ
التقاط العلامات
الصغيرة والكبيرة،
علامات ملكوت
الله الآتي.
.....بيت لحم أو أورشليم،
حتى في وجه الآخر
المعروض عليّ
كمكان للإنسانيّة،
حيث أستطيعُ
أن أبحث عن حضور
كلمة الله، وحيث
أستطيع أن أنظرَ
وأن أجيبَ على
نبوءةِ مجّانيّةِ
الحُبّ التي
هي في وسعنا.
.....(( نحن في الاجتماع
المسائيّ التقييميّ
السنويّ لفرقتنا،
وقد بدأت تظهَرُ
علينا جميعًا
علاماتُ التعب
والتوتّر. نعلم
أنّنا خلال الأشهر
الماضية لم نراعِ
بما فيه الكفاية
الانتباه والإصغاء
المتبادَلين،
ولم نكن ملتزمين
كما يجب في طريق
الحركة التي
ننتمي إليها...
نعرف أنّه كان
يجب علينا المضيُّ
إلى أبعد، والتفتيشُ
عن أسباب هذا
التعب الذي نشعر
به. ونعرف أنّنا
لكي نستطيعَ
تكرارَ المحاولة
لا بدّ لنا من
قفزة نوعيّة.
ولعلّنا نأمل
جميعًا أن تكون
هذه الأمسية
كافية لإعادة
خلق مناخٍ مؤاتٍ
للقبول المتبادَل،
ونأملُ في مفعول
العصا السحريّة.
إلاّ أنّ كلمةً
واحدة تلفَّظَ
بها واحدٌ من
الأعضاء وكان
لها وقع سيِّئ
في أذنَي عضوٍ
آخر، كلمةً واحدة
كانت كافية لإعطاء
الضوء الأخضر
أمام سيلٍ من
الكلمات التي
لا تراعي قبول
الآخر واحترام
التنوّع والاختلاف.
.....ورُحنا ننَظر
بعضُنا إلى بعض
نظرةَ مَن لم
يعد يعرف الاتّجاه
الصحيح: أبَعْدَ
هذه السنوات
الطويلة من حياة
الفرقة لا نزال
قادرين على هذا؟
أوَليس من الأفضل
لنا أن نُغلق
الدكّان ونمضي
كلُّ واحدٍ في
سبيله إذا كنّا
لم نتعلّم كيف
نُحبُّ بعضُنا
بعضًا في كل الظروف؟
إذا كنّا لم نتعلّم
أن نكون جاهزين
لتقبّل ضعفات
الأخرين؟ إذا
لم نكن قادرين
على مغفرة ما
لدى الآخر من
حدود؟... وفجأةً
تَحَوّل كلُّ
شيء إلى صمت مُطبَق،
بقي التوتُّر
ولكنّ الكلمات
صارت صمتًا،
والصمت تفكيرًا،
والتفكير قادنا
إلى رغبة واحدة
مشتركة: أن نعيد
النظر في ذواتنا
وفي كلِّ شيء،
لكي نبتدئ معًا
من جديد، ولكي
نواصل تقاسم
الحياة والإيمان
مثلما كنّا نفعل
خلال السنوات
الثلاثين الماضية.))
.....بيت لحم أو
أورشليم: ما هو
مكان النبوءة
وزمانها في العلاقة
مع الآخر؟
عندما تكون محاطًا
بصداقة ذات طاقة
حيويّة ما إن
بدَأَتْ حتى
شعرتَ بأهمّيّتها
لحياتك، وعندما
تلاحظ أنّ لقاءات
جديدة بدأَتْ
تحمل نسغًا جديدًا
لمُثُلِكَ العليا
ولآمالك، وأنّ
الاختلاف الذي
لا بدّ منه بين
الأشخاص يجبرك
على أن تحسب حسابًا
للتنوّع ولضرورة
أن تنسى ذاتكَ،
ولو قليلاً،
ولما يستلزمه
ذلك من الاستعداد
لمنح الغفران
وبخاصّة لطلبه،
كلّ ذلك من أجل
مواصلة الطريق
وفتح أبعاد جديدة
للحياة، فأين
هو مكان النبوءة
؟
نعيش غالبًا،
خلال حياتنا
في الفرقة، بُعْدَ
الفرح والحماسة
والحيويّة،
إنَما أيضًا
بُعْدَ التعب
والفتور والخيبة.
وأحيانًا، نكون
مملوئين من أنفسنا
ومن أفكارنا
وقناعاتنا،
فنتقدّم واثقين
من طريقنا بدون
أن ننتبه أنّنا
نسينا ملاحظة
أوضاع الآخرين
والالتقاء بهم
وسؤالهم عن حاجاتهم
الحقيقيّة،
وبدون أن ننتبه
أنّه يجب التوقُّف
لكي نتحقّق ونكتشف
الأخطاء المحتملة
ولكي نوجِّه
مشاريعنا الأساسيّة
بطريقة مختلفة.
.....وأحيانًا أخرى،
نتصرّف بلا زخم،
فنعيش انتماءنا
إلى الفرقة دون
أن نعي ما يتطلّبه
ذلك من التزام.
نظنّ أن تكريس
بعض أمسياتٍ
إضافيّة أو إجراء
بعض الاتّصالات
الهاتفية يكفي
لكي نعيش بشكل
جيّد التزامات
الفرقة... فنحرص
على أن يبقى انخراطنا
في نشاط الفرقة
ضمن حدود وأن
لا نزيد من خربطة
إيقاعات عملنا
وعاداتنا العائليّة.
.....بيت لحم أو
أورشليم: متى
تصبح حياتنا
في الفرقة مكان
وزمان نبوءة؟
ومتى تنجح حماستنا
في خلق أشياء
جديدة أو نتمكّن
من أن نخصّص مكانًا
لحاجات الآخرين
وآرائهم وأفكارهم
ومشاريعهم؟
لا يجب أن ننسى
أنّ خيارنا كأعضاء
في فِرَق السيّدة
هو دعوة مستمرّة
لنا للالتزام
تجاه الحركة
الذي هو تعبير
خاصّ عن التزامنا
تجاه الكنيسة.
ففي الحركة أيضًا،
كما في الكنيسة،
يجب أن نعيش كمؤمنين
لا كمتديِّنين،
ويجب أن نضع أنفسنا
في هذا البحث
الدائم عن وجه
الله المتّخذ
شكلاً في وجه
الآخر. علينا
أن لا نشعر بالرضا
لكوننا نحفظ
الوصايا ونتقيّد
بالقواعد، بل
يجب أن نستنبطَ
أشكالاً من التديُّن
نُدخِلُ فيها
حياةَ الإيمان
الأكثر أصالة،
إيمانٍ نعيشه
كقدرةٍ على العلاقة
والرسالة.
.....حركتنا اليوم،
بعد 60 سنة على
وجودها، هي حركةٌ
نبويّةٌ إذا
عرفَتْ أن تنظر
إلى بيت لحم إنّما
إلى أورشليم
أيضًا، إلى الحياة
الآتية، وإذا
لم تجعل الله
بعيدًا وغائبًا
عن حياتنا اليوميّة.
وتكون حركتنا
نبويّةٌ إذا
استطاعت بوجه
خاص أن تُوَجِّهَ
بحثَها نحو التعمُّق
الواعي باستمرار
لضرورة الـ"نحن"
(العلاقة) في وجه
الـ"أنا" (الفرديّة)،
الـ"نحن" (كأزواج)
والـ"نحن" كأشخاص.
الـ"نحن" الشخصي
والـ"نحن" الجماعي،
الـ"نحن" العائلي
والـ"نحن" الإنساني.
.....((منذ سنوات
عديدة، ونحن
نمضي عطَلَنا
بالسفر. لدينا
باصٌ صغير (ميني
باص) يتّسع لتسعة
ركّاب اجتزنا
به خلال السنوات
الأخيرة آلاف
الكيلومترات
في رحلات إلى
أماكن مختلفة
من أوروبا، مع
إخوتنا في الفرقة
أو بدونهم، مع
أولادنا، وأصدقائهم
أحيانًا. هذه
الطريقة في السفر
على طرقات العالم
مع خطّةِ سفرٍ
عامّة قابلة
للتغيير والتعديل
حسب الظروف والضرورة...
هذا الشكل من
السفر في مجموعةٍ
صغيرة متغيّرة
ومتنوّعة يشارك
فيها مسنّون
وشباب، أزواج
وعزّاب، كهنة
وعلمانيّون،
أشخاص مختلفون
يعيشون معًا،
كلّ واحد منهم
له حياته المختلفة
وتاريخه، متطلّباته
وانتظاراته...
هذا التمرين
المتواصل على
تقاسم الأشياء
المشتركة، على
التشارك في الزمان
والمكان، على
التفهّم والتسامح
تجاه ما يصعب
قبوله لدى الآخر،
على الكلام معًا
والصلاة معًا
والضحك والفرح...
مع الرغبة أحيانًا
في أن نكون كلانا
معًا لبعض الوقت،
فيصغي واحدُنا
إلى الآخر لا
في الكلمات التي
نقولها بل وأيضًا
في المشاعر والعواطف
التي نحسّ بها،
ونندهش معًا
أمام الأشياء
الجميلة الموجودة
في الطبيعة وأمام
روائع الخليقة،
فنشعر ونحن نتنقّل
في الطرقات والبلدان
والمدن بحضور
الله، ونصادف
ثقافات وعادات
متنوّعة وأشخاص
مختلفين... كلّ
ذلك يشكّل نوعًا
من الاستعارة
(métaphore)
للخدمة المعتبَرَةِ
انفتاحًا وانتباهًا،
تَواصُلاً وتأمُّلاً
صامتًا، كلامًا
وإصغاءً، تقاسمًا
وتسامحًا، جهوزيّةً
... وقليلاً من
الأنانيّة أيضًا.
ولعلّها، ربّما،
استعارة للحياة
في مسيرتها المتواصلة،
في قناعاتها
وخيباتها، في
نجاحاتها وصعوباتها،
في خططها ومفاجآتها...))
.....ولربّما كان
هناك، فوق ذلك
كلِّه، رغبتُنا
في البحث عن المعنى
العميق للأشياء،
عن هذا الإلَهِ
القادرِ وحدَه
على أن يعطي لكلّ
شيء معنىً، والذي
يكشف عن ذاته
في الأشياء الأكثر
إنسانيّةً والأكثر
قربًا والأكثر
بساطةً. أن نبحث
في الحياة اليوم
عن أمكنة النبوءة
وأزمنتها، عن
أنبياء أزمنتنا
الصالحين الذين
يحثّوننا باستمرار
على التساؤل
والقلق أمام
ما في العالم
من سلام كاذب
وما ينقله التلفزيون
من فرح موهوم،
وعلى أن نقف وقفةَ
تحدٍّ في وجه
أصنام هذا العصر،
وأن نبحث بلا
كلل عن وجه الآخر
الحامل وجه الله
الذي يقيم تارة
في بيت لحم وطورًا
في أورشليم. فالمسيح
ليس له وجهٌ واحدٌ
فقط، لأنّ له
وجه البشريّة؛
وليس له مكانُ
واحد، لأنّه
يقيم في الخليقة
كلّها؛ وليس
له اسمٌ واحد،
لأنّه يحمل اسمَ
الرجاء الذي
هو وعدٌ صادقٌ
بتحقيق كل رغباتنا؛
ليس له نهاية
ولا بداية؛ ليس
له زمن، لأنّه
الأزليّ الأبديّ؛
فهو لا يولد ولا
يموت في بيت لحم
أو في أورشليم
لأنّه في الحياة،
لأنّه الحياة.
.....ربّما نستطيع
الآن أن نحاول
فهمَ المعنى
العميق لسؤال
صديقِنا الكاهن،
سؤالِه الذي
صار سؤالَنا،
السؤالِ المطروحِ
علينا كلَّ أيّام
حياتنا كزوجين،
والذي نكرِّره
لكم: أين تبحثون
عن نبوءةِ إيمانِكم
وحياتِكم الزّوجيّة،
أفي بيت لحم أم
في أورشليم؟
إنّه سؤال لكلّ
الأزمان وهو
اليوم ينتظر
جوابَكم.